أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات ونقود فنية / محمد خصيف _ ماهية الفنون الجديدة: الحداثة/ مابعد الحداثة الفنيتين

محمد خصيف _ ماهية الفنون الجديدة: الحداثة/ مابعد الحداثة الفنيتين

ماذا يقصد بالفنون الجديدة؟
جديدة بالمقارنة مع ماذا؟ أمع الممارسات الفنية الحداثوية الحالية، التي هي أصلا تعتبر متجاوزة؟
هي متجاوزة حينما نقف على حقيقة تاريخية تثبت أن المجتمعات الغربية لما تخطت مرحلة الحداثة وتجاوزتها إلى ما بعد الحداثة، بقي الفكر العربي الحديث يعيش صراع تحديات ما يعرف بالحداثة العربية، وحينما نتحدث عن الفكر العربي فإننا بداهة لا نستثني ما عرف بالحداثة الفنية، التي شكل احتكاكها مع الغرب صدمة آذنت “بولادة قسرية جديدة للوعي التاريخي والحضاري” 1 عند الفنان العربي. فالحداثة العربية عامة والفنية خاصة، وجدت نفسها في مواجهة حداثة غربية عنيفة، سلطوية، قمعية، رافضة لثقافات الأمم التي انعكست عليها نتائج الحداثة. لكن رغم ذلك نجد أن الحداثة الفنية في الغرب لم تقم لها قائمة إلا بارتكازها على مرجعيات ثقافة الشعوب التي كان ينظر إليها على أنها بدائية، متخلفة ولا حضارية. وسنعود إلى تحليل هذه النقطة بالتفصيل.
ما هي معايير الجدة التي يمكن اعتمادها لفرز هذه “الفنون الجديدة” عن غيرها؟ ماذا أضاف فنانوها لتاريخ الفن العالمي؟ أم هي “جديدة” على المتلقي العربي، لكونه لم يألف مشاهدة ما يعرض عليه في الأروقة والمتاحف، وما تصادفه عيناه على صفحات الفضاء الأزرق من صور أثيرية؟
أسئلة تثير كثيرا من الفضول وتعود لتتداول باستمرار في كثير من الكتابات النقدية بشتى أنواعها، وتلح علينا بقوة في نصوص حاول أصحابها أن يؤرخوا للحركة التشكيلية العربية.
فكرة “الجديد” شكلت منذ عقود الموضوع الرئيسي لدى العديد من الكتاب الغربيين الذين يشكون، إلى درجة النكران في أصالة الممارسات الفنية التي قدمها الفنانون العرب منذ مرحلة تأسيس البوادر الأولى للحركة التشكيلية العربية أواخر القرن التاسع عشر، ومحاولات تأصيلها خلال القرن العشرين. وأن ما ينجز في رأيهم، هو عبارة عن نسخ مقتبسة أو مأخوذة من تيارات حداثية غربية، كالتكعيبية والسريالية والتجريدية وغيرها. تحدثت الناقدة طوني ماريني في كتابها (Ecrits sur l’art) عن أمثلة لنقاد مستشرقين وموقفهم من حركة الفنانين المغاربة ، فذكرت ما كتبه ميشيل راغون (Michel Ragon) عام 1964 في مجلة(Jardin des Arts, n°114) :
“ها قد ولد الفن المغربي”. وقبله جاستون دييل (Gaston Diehl) صرح بولادة “اللوحة المغربية الشابة”. و في عام 1959 كتب الناقد الإيطالي ليونيل فانتوري (lionelle Venturi) في مجلة (L’Espresso) “أن لا أحد كان ينتظر ولادة مفاجئة لرسم غربي حديث بالمغرب”. عام 1979، يخرج علينا الكاتب الصحفي لوك لومير (Luc lemaire) بقوله :”ازداد الطفل…المغرب يكتشف هويته من جديد”، ونصل إلى عام 1984 ليخرج علينا الكاتب ألان فلامان (Alain Flamand) بمؤلف عن التشكيل المغربي يصرح فيه علانية: ” إنه من الصعب أن نتحدث عن اللوحة في المغرب، اعتبارا لتاريخها الفتي”.2
فما يجري على المغرب يجري كذلك على باقي الدول العربية، بحكم التاريخ والهوية والمصائر التي لاقاها الوطن العربي ككل، له تاريخ تتقاسمه أقطارها وحضارة موحدة بما اعتورها من عوامل التقدم والتخلف. وأضرب هنا مثالا من تونس حيث يصرح علي بلاغة أحد فنانين “مدرسة تونس” بأن التصوير التونسي”مازال شابا، لكنه ينمو كما ينمو كل الشباب”3.
نجد كتابا ونقادا عرب يقتفون آثار زملائهم الغربيين ليعترفوا أن الفنانين العرب أنتجوا أعمالهم متأثرين بفناني الغرب. يقول عفيف بهنسي:”مع بداية القرن العشرين وتوقف التوسع العثماني، تأثرت النهضة الفنية والثقافية بالغرب خاصة فرنسا وإنجلترا…التيارات الأساسية في الفن الحديث العربي هي الواقعية والسريالية والتجريدية. وظف الرسامون والنحات تقليد الواقع، لكنهم يترددون في محاولة تجاوز حدود الواقعية لتطبيق أي تيار فني” 4
مازال تأريخ الفن التشكيلي العربي يعد اشكالية تستوجب الوقوف عندها بتامل ونقد عميقين، فما كتب من محاولات لضبط السيرورة الكرنولوجية لهذا الجنس الابداعي لاتخلو من نقص ولبس ومغالطات، علمية وجمالية ومنهجية.
هناك من يرى ان الفن التشكيلي في البلاد العربية حديث الميلاد، برز كشرارة العاب نارية، ليس لها ماض ولاتتضح لها معالم مستقبل. وهناك من رآه بضاعة وفدت في صناديق المستعمر.
هذا كله كلام صحيح وخطأ في نفس الوقت.
صحيح بالنسبة للذين يرون ان البلاد العربية بلاحضارة ولافن ولافكر وهؤلاء كثر، لهم نظرة ضيقة للأشياء وللتاريخ، متشبعون بالفركفونية والأنجلفونية المستلبتين، يتبعون خطى من سبقهم من المستشرقين فيرون ان الفن التشكيلي برز كشعلة العاب نارية، قبلها ظلام وبعد انطفائها ظلام!
نتساءل اذا كانت البلاد العربية قبل عهود الاستعمار، الانتداب والحماية والوصاية تعيش بلافن ولاجمالية ؟ اظن اننا جميعا نعرف الاجابة ونعيشها كما عاشها اجدادنا.
قصة الشعلة هذه التي برزت فجأة تحيلنا دائما الى سؤال يتكرر في مناسبات ثقافية كثيرة ومازال كثير من المتدخلين يحاولون طرحه وتوضيح الاجابة عنه: ماذا اعطى الفن الحديث الاوروبي للفنانين التشكيليين العرب؟
لكن السؤل الاشكالي الحق هو: ماذا اخذ الفن الحديث من الفنون العربية الاسلامية، كي يحقق شرعيته ووجوده؟
كلنا مقتنعون ان الحداثة الاوروبية الفنية، ظهرت خلال القرن 19، نتيجة القطيعة مع الماضي والتراث الاغريقي/المسيحي/ النهضوي. لكن ما يحاول مؤرخو الفن الغربيون اخفاءه هو ان تلك الحداثة بنت ذاتها وشكلت معيارها انطلاقا من ماضي وتراث امم غير اوروبية، امم تعرفوا عليها وعلى ثقافاتها من خلال استعمارها و استعباد شعوبها ونهب ثرواتها وآثارها الفنية.
هذه الحقيقة التي يجب الوقوف عندها، لكن بعض من اشاروا اليها في كتاباتهم كتوني ماريني Toni Marini 5مثلا، ساروا بعيدا لدرجة المبالغة، حيث حاولت هذه الكاتبة اسقاط نظرية الناقدالألماني رودولف ارنهييم 6Rudolf Arnheim التطورية على الفن ” المغربي “. مفاد هذه النظرية ان الفن الحديث الاوروبي جاء نتيجة تحولات فكرية وثقافية وجمالية عرفتها اوربا منذ عصر النهضة. كلام جميل، كله حقيقة. لكن المقارنة لا يلمسها الواقع. لماذا؟؟
إن واقع التاريخ الاوروبي يختلف عن حقيقة التاريخ المغربي ، الذي هو جزء لا يتجزأ من التاريخ العربي، وبالتالي تاريخ الفكر الاوروبي ليس مثيلا لتاريخ الفكر العربي، ومن تم تاريخ الفن الاوروبي لا يمكن مقارنته بتاريخ الفن العربي، فالسيرورة التاريخية التي ميزت الفن الاوروبي على مدى قرون متتالية، غير متقطعة، جعلته يمشي منتصبا، فوق الارض، رافعا رأسه عاليا عبر الزمن، بينما الفن العربي بات يحبو تحت الارض، souterrain حسب تعبير طوني ماريني. 7الغريب ان ممن يكتبون عن الفن حاليا تبنوا هذه الفكرة وتحدثوا عن الخرائط والخرائطية والكارتوغرافية كمفاهيم لتناول دراسة الفن المغربي نقدا وتأريخا. وهذا يكرس فكرة التقطع والتشتث التي ميزت العقل العربي والتي وصفها محمد عابد الجابري بالجزر التي لارابط بينها8
اشكالية تناول تحليلها ابستمولوجيا الدكتور محمد عابد الجابري في مؤلفه الضخم “نقد العقل العربي” حيث بين ان وعي الانسان الاوروبي الفكري يتمدد على 28 قرنا متتالية غير متقطعة ولا منقطعة، من القرن 8 قبل المسيح الى العصر الحديث بينما وعي الانسان العربي الفكري عرف تقطعات ونقط سوداء سببها الازدواجية في كتابة التاريخ: إذ يؤرخ للفكر والثقافة العربيين، كما وضح الجابري بالاسر الحاكمة، فنجد الادب العربي في العصر العباسي والشعر في العصر الفاطمي وهكذا، بينما اوروبا يؤرخون لثقافتهم بالقرون: الفن في القرن السادس عشر والسابع عشر…و تظهر الازدواجية المحرجة حينما نؤرخ لفترة القرون الوسطى، أي من القرن 6 الى القرن 14 الميلاديين بالترقيم الهجري، ثم ننتقل الى عصر النهضة العربية فنؤرخ تبعا للسنة الاوروبية بالترقيم الميلادي أي القرن التاسع عشر وما بعده، من تم يلاحظ ان فترة تاريخية تمتد على اربعة قرون، الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر غائبة بالكلية من التاريخ العربي، مما شكل “حلقة مفقودة” حسب الجابري في وعي الانسان والفكر العربيين 9 .
كتب محمد جميل بيهم10: “إن هناك حلقة مفقودة في سلسلة تاريخنا القومي، لم يوفها حقها أي مؤلف، ذلك لأن ما بين أيدينا من كتب التاريخ الخاصة بالعرب، إما أن تقف عند سقوط بغداد وظهور السلطنة العثمانية، أو تتعدى مسرعة معظم الأجيال التي تليها ، معالجة موضوع النهضة العربية الحديثة” (ص6).
فاذا تذكرنا ان سقوط بغداد كان عام 1258 م ، فإن بداية” الحلقة المفقودة في تاريخ العرب”، كما جاء في كتاب محمد جميل بيهم، تكون من القرن الثالث عشر الميلادي وتنتهي بانتهاء الحرب العالمية”11الأولى. فهي عبارة عن ستة قرون ونصف، اي ما يشكل نصف ما مضى من التاريخ الهجري، تاريخ الاسلام، تاريخ الامة العربية. لنتخيل اذاً كيف سيكون الوعي التاريخي والزمن الثقافي لدى امة نصف تاريخها حلقة مفقودة على صعيد ابنائها.
اكيد سيكون على مايعيشه الانسان العربي من حالات التشتث والتمزق والاغتراب والحيرة والانفلات والتبعية واللاعقلانية…و لا تاريخية الحداثة عامة ومنها الفنية خاصة.

مراجع
BAHNASSI, A. (1977). L’art contemporain dans son contexte socioculturel. Dans UNESCO (Éd.), Projet pour une étude sur l’art contemporain dans son contexte socioculturel. Tunis: UNESCO.

2MARAINI, Toni. (2014). Ecrits sur l’art. Casablanca: Le Fnnec.

3ABDELMAJID TLATLI, « Ali Bellagha : inviter les peintres étrangers à venir exposer en Tunisie », La Presse, 18 mai 1965,p.3

4 (BAHNASSI, 1977)

5(MARAINI, 2014)
6 Rudolf Arnheim رودولف ارنهييم (2007 – 1904) ، كاتب من أصل ألماني، منظر الفن والسينما وعلم النفس الإدراكي .
7 (MARAINI, 2014)
8د. محمد عابد الجابري. (2009). نقد العقل العربي 1، تكوين العقل العربي، (الإصدار الطبعة العاشرة، ). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.
9 (الجابري، 2009)
10 بيهم, م. ج. (1950). الحلقة المفقودة في تاريخ العرب، الطبعة الأولى، القاهرة، مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
11(بيهم، 1950)

 

محمد خصيف

ناقد وفنان تشكيلي من المغرب

عن atachekili

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *