أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات ونقود فنية / تهجين الجسد عند “ستيلارك” – محمد سعود

تهجين الجسد عند “ستيلارك” – محمد سعود

يعتبر الفنان الأسترالي”ستيلارك”Stelarcأحد أبرز فن الأداء الحي في الفنون البصرية المعاصرة ، ترجع أصوله إلى قبرص التي ولد فيها واسمه الحقيقي “ستيليوسأركاديو ،”SteliosArcadiouو”ستيلارك” هو اسمه الفني الذي يجمع بين اسميه العائلي والشخصي . تمير هذا الفنان بجرأة كبيرة في تعامله مع جسده كمادة خام لإنجاز عروضه الفنية ، هذه الجرأة التي لم يتم قبولها في أستراليا دفعت به إلى أن يرحل إلى اليابان أولا ليجد التربة الخصبة لتطوير فنه ، وبعد ذلك يعود إلى بلده بعد أن لقي شهرة واسعة .
ترتكز أعمال الفنان”ستيلارك”على الجسد وعلاقته بالآلة والتكنولوجيا الحديثة . وكحامل للأثر الفني من خلال مفهوم فن الجسد  body art، هذا الجسد الذي هو بمثابة بنية معمارية قابلة للبناء والتطوير بإضافة عناصر أخرى إليها ، سواء كانت هذه العناصر آلات ميكانيكية أو بشرية ، وتتم هذه العملية بالإضافة أو إعادة التوطين كما فعل في الّأذن التي غرسها في ذراعه ، وأصبحت هذه الأذن مرتبطة بشبكة الأنترنيت بواسطة غرس ميكروفون مجهري ليتم رصد أصوات وتحركات الفنان مثل جهازنظام التموضع العالمي (Global Positioning System)أو ما يعرف بGPS، فهو يحلم بان يتحول الإنسانإلى بوابة إلكترونية مرتبطة بشبكة الأنترنيت ويذهب إلى اكثر من ذلك في حلمه بتطوير مشروعه حيث يقول ” تخيلوا معي أنه يمكن لي أن اسمع بأذني شخصا في نيويورك ، وأن أرى بعيني شخصا في لندن
تعود فكرة هذا المشروع إلى سنة 1997 وساهم في إنجازه الكثير من أطباء الجراحة وعلماء البيولوجيا إلىأن تم غرس هذه الأذن سنة 2013 .وتداخل في هذه الأذن ما هو بيولوجي واصطناعي ، وأصبحت أذنا ثالثة للفنان ولكن تختلف عن أذنيه الحقيقيتين من حيث إن الأصليتين هما للاستقبال أما الثالثة فهي للإرسال ، وهنا تطرح مشكلة جسد الإنسان الذي هو في الحقيقة مستقل بذاته ولكن بغرس هذه الأذن اصبح مرتبطا بغيره .وهل هذا الجسد الذي يتم رصده في أمكنة متعددة هو في نفس الوعاء المكاني أو الزماني بالنسبة للفنان وعلاقته بالأخرين ؟ . وما هي حدود التجانس والتنافر بين تشريح معمار الجسد الحقيقي والأعضاء التي إضافتها إليه سواء كانت بيولوجية أو اصطناعية ، لان هذه الإضافات لا تتم في اطار تعويض يد مبتورة أو غرس عضو بدل آخر ، بل الفنان في آداءاته يضيف أعضاء كاليد الثالثة والعين الثالثة ، وهذا ما يحيلنا إلى بعض المعتقدات الهندية كالعين الثالثة والآلهة ذات الأيادي الكثيرة وبعض الطقوس كالشخوص التي تحاول تحدي الألم وتجاوزه بإدخال أدوات حادة في الأجسام إضافة إلى التخاطر الذهني . .وهل ما يقوم به الفنان ستيلارك يعتبر فنا أو علما مرتبطا بالبيولوجيا والتكنولوجيا الحديثة لاستشراف أفاق جديدة لحدود هذا الجسد ؟ ومادام الفن ابتكارا وإبداعا فهل الاستشراف يعتبر فنا ؟
هي أسئلة كثيرة ومعقدة ومحيرة جدا لا يمكن الإجابة عنها بسهولة في ظل الغموض الذي يكتنف مفهوم الفن والحدود الفاصلة بينه وبين اللافن . و من المؤكد أن هذه الهجانة فرضت نفسها وامتزجت فيها الفنون إلى درجة انه اصبح من الصعب على الإنسانأن يميز بينها وفق التصنيفات القديمة ،
فجسد الفنان أصبح هو الحامل والقطعة الفنية معا، وفي سؤال للفنان عن سبب اختياره لجسده بالذات كحامل لعمله الفني ، أجاب ستيلارك ” من الصعب بالنسبة لي أن أقنع الأجسام الأخرى بالخضوع لتجارب صعبة ومؤلمة في بعض الأحيان”.
وبخضوع الفن لسلطة التكنولوجيا الحديثة وعالم الرقمنةانفتحت آفاقجديدة للفن وأصبح براديغم الفن المعاصر مفتوحا على كل الاحتمالات ” . وستتجه الكثير من الفنون المصنفة إلى الجدار لتعلن عن موتها ، بعد الإجهاز نسبيا على اللوحة وبدرجة أقل على النحت. ولا محالة أن الفن الذي بدأ بالمعابد سينتهي في الشوارع .

   

 

————————————————————————————————————-

محمد سعود

فنان وناقد تشكيلي من المغرب

عن atachekili

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *